مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

بالبنط العريض

الأحزاب السياسية.. الواقع والمأمول


تضج صفحات وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام بمنشورات يتباهي أصحابها بأنهم وقع عليهم الاختيار ليكونوا ضمن هيئة مكتب "الحزب الفلاني" أومسؤولون في أمانة بعينها في "الحزب العلاني", ويستقبلون التبريكات والتهاني و كأن قرار الانضمام إلى حزب معين صار بمثابة نتيجة السنة الدراسية, كالنجاح في الثانوية العامة مثلا, أما العمل السياسي الذي هو صميم نشاط الأحزاب فلا أتصور أنه أخذ حيزا من تفكيرهم أو اهتماماتهم! 
كلمة "حزب" وردت في العلوم السياسية مقرونة دائما بكلمة "سياسي" ويعرف بأنه تنظيم يضم مجموعة من الأفراد، تتشارك نفس العقيدة السياسية وتسعى لجعل أفكارها موضع التنفيذ، مع العمل في آن واحد، على ضم أكبر عدد من المواطنين إلى صفوفها، كما أنها تسعى للوصول إلى السلطة، أوعلى الأقل التأثير على قرارات السلطة الحاكمة، فالأحزاب بذلك قناة شرعية لبلورة وتجميع وتوصيل أفكار واتجاهات وانطباعات الرأي العام تجاه قضية أوسياسة عامة للسلطة السياسية في أي دولة، فهي تدعم الممارسات السلمية لنقل وتداول السلطة في أي بلد، فدور الأحزاب السياسية ليس تنفيذيا وإنما هو تقييم السياسات العامة التي يتبناها النظام السياسي وقياس مدى فاعلية تلك السياسات في تحقيق الهدف منها.
يبقى العمل الحزبي عملا تطوعيا قائم على الوعي من المنضم بمفهوم المشاركة السياسية وإيمانه بدورالأحزاب كشريك للسلطة في العملية السياسية, لكن للأسف ليس الجميع يدرك ذلك, وهذا ليس جديدا, فلطالما تعامل عدد كبير من المنتمين إلى الأحزاب مع مواقعهم فيها بمنطق بعيد عن العمل السياسي العام, كأن يتخذونها مثلا من باب الوجاهة الاجتماعية والمكانة المرموقة, أومن باب تسهيل المصالح والظهور في "كادر واحد" مع السلطة, أو دخول البرلمان والتمتع بالحصانة و"سيادة النائب راح.. سيادة النائب جاء"!.
هذا غير أن بعض الأحزاب في مصر تعاني مشاكل داخلية, فبعض الأحزاب الجديدة مثلا ربما قبل الإعلان عن تأسيسها تعرب صراحة عن رغبتها في التغول والسيطرة على نسبة كبيرة من الأصوات الممثلة فى البرلمان وهذا في حد ذاته ليس عيبا, فكل متنافس يريد أن يأخذ مساحة أكبرعلى الخريطة السياسية, ولكن المشكلة تحدث عندما يجد الحزب نفسه عبارة عن قوائم بشرية طويلة ومتنافرة في الأفكار والاتجاهات، فحين ينضم أصحاب الرؤى المختلفة فى كيان واحد، إما أن تحكم عليه بالجمود، أو أن يكون شكلا بلا مضمون، وهنا تبرز مشكلة خاصة بالوعي فقطاع عريض من الجماهير يتعامل مع الأحزاب من المنظور الخدمي باعتبارها أحزاب "تسليك"مصالح وليست أحزاب "مبادئ" أو كيانات سياسية تشارك في صنع القوانين والرقابة على السلطة التنفيذية, وهو ما يستدعي أهمية زيادة الوعي بدور الأحزاب في المجتمعات، وتنمية الدور الذي تقوم به الأحزاب في عملية التجنيد السياسي.
أضف إلى ذلك أن التجربة الحزبية في مصر لا تزال حبيسة الأنماط التقليدية والإدارية في تسيير أمورها, رغم تبدل الظروف و تغيرالمجتمعات بنيويا و اقتصاديا, بل وخاصة على صعيد الوعي وما أحدثه الاجتياح التكنولوجي الذي جعل المواطن البسيط كمن يجلس القرفصاء في قلب العالم، لذلك كنت ولازلت من المطالبين بتدريس مبادئ العلوم السياسية في المدارس من المرحلة الإعدادية لتنشئة الأجيال الجديدة سياسيا وتعريفهم ماهية الأحزاب السياسية والفروق بينها وبين جماعات الضغط أو المصالح.
لا أتصور أن السلطة تحول دون تطبيق ديمقراطية داخلية حقيقية في الأحزاب, فجوهرالديمقراطية هو الاختيار بين بدائل، والبدائل هنا هى الأحزاب السياسية، فهى سمة أساسية للنظم الديمقراطية, وهذا في الأخير يصب في مصلحة الوطن, وأى ديمقراطية ينبغى أن يكون فيها أحزاب، فهى الأداة الوحيدة للمنافسة السياسية، والانتخابات تجرى فى الأساس بين أحزاب سياسية، أو بين أفراد يمثلون أحزابا سياسية.
يبقى أن معظم الأحزاب في مصر تعاني مشكلات في التمويل وعدم حوكمة إجراءات جذب التمويلات وأوجه صرف الموازنات الحزبية، وهنا يبرز نموذج المال الذي يشتري السياسة, كالثري الذي ينضم للحزب"بفلوسه" وهو لا يعرف معنى كلمة سياسة, وأعتقد أن هذه معضلة تحتاج تدخلا ما، كما أن أغلب الأحزاب ليس لديها قناة إعلامية للتعبير عن برامجها وتوجهاتها حتى يسهل نفاذها للجمهور.
أخيرا: تحتاج الأحزاب في مصر كبيرة وصغيرة قديمة وجديدة إلى تحديد خطوطها العريضة وشرح طبيعة العمل السياسي لأعضائها والنزول إلى الشارع لتكتسب الجماهيرية، وتتحرر من"النخبوية",وابتكار برامج ورؤى بديلة، وتعلية المؤسسات على الأشخاص، وتمكين الكوادر الشابة المدربة، ومنحها الصلاحيات والمساحات للممارسة السياسية.